ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

129

الوشى المرقوم في حل المنظوم

سواء لترسيخ قدميه في حقل الإنشاء - وعلى الأخص في دولة صلاح الدين - أو في تأليف كتبه ، وفي مقدمتها كتابه « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » الذي جعل شهرته تطير في الآفاق ، حتى إنه لم يعدم من رد على هذا الكتاب في حياته ، أو بعد وفاته . يستوى في ذلك من كان معه ، ومن كان ضده . إذا كانت الإنجازات العظيمة تحتاج تفانيا وتركيزا ، ولفترات طويلة فإن الضياء أعطى جل وقته وعمره الذي قارب على الثمانين عاما لفن الكتابة الذي أحبه ، لهذا فليس بمستغرب أن نجد شخصية ابن الأثير ، واعتداده بنفسه وبقلمه واضحة في ثنايا كتابه ، بل وكتبه الأخرى في عبارات واضحة من مثل قوله : « فهو مبتدع لي ؛ لم أسبق إليه ؛ ومعان مبتدعة لم يسبقني إليها شاعر ولا كاتب » ، وقوله : « ولأن سبقني إلى حل الشعر سابق ، وورد ورده قبلي طارق ؛ فإنه ركب إليه هجينا لا هجانا . وظن خواطره فيه سميعة بصيرة ، وكانت صما وعميانا . وليس كل بيضاء شحمة ، ولا كل بيان بحكمة « 1 » . ويعد قول كمال الدين بن الشعار ود . إحسان عباس « ولا ريب في أن الجرأة والاعتداد بالنفس اللذين يبلغان لديه حد الغرور قد كانا ستارا يحجب بهما ضعف تحصيله الثقافي وعدم تنوعه » « 2 » ضربا من التناقض والمغالطة ، حينما يؤكد د . إحسان نفسه أن ابن الأثير « قرأ كثيرا من الشعر - مع ملاحظة كلمة قرأ - واطلع على كثير مما ألف في النقد والبلاغة » « 3 » . ولم يكن هذا الاعتداد نتاج حالة مرضية ، لكنه ناشئ عن دربة وخبرة بالفن الذي أحبه ، وأعطاه عمره . يقول في موضع آخر : « هذا الفصل فصل من القول ، وله على غيره بسطة الطول . وهو شبيه بخمر الجنة التي لا فيها غول . وقد أبرزته في هذه الصورة التي ألفاظها معان ، وإذا قيس إليها غيرها قيل : والنظم والنثر يسجدان » « 4 » . ولا ينسى أن يقرن بعض العبارات بضمير المتكلم « أنا » ، فهو

--> ( 1 ) انظر ص 163 . ( 2 ) وفيات الأعيان 7 / 335 ، وتاريخ النقد الأدبي عند العرب / 600 . ( 3 ) السابقان الصفحة نفسها . ( 4 ) انظر ص 321 .